اوتوستراد المقاطعة وازدواجية المعايير…

 مدينة الناصرة في فلسطين التاريخية، المحتلة عام 1948، على موعد مع الفرقة الموسيقية الاردنية “اوتوستراد” يوم الجمعة القادم، 7 كانون الاول الساعة التاسعة مساءً.  ومع اقتراب الموعد تتزايد الحماسة في اوساط الجماهير الفلسطينية الشابة والمتلهفة لهذا العرض، حيث يعتبر حدثًا تاريخيًا لأول فرقة عربية من دولة عربية تنوي العرض في اراضي الـ48 وليس في حدود الـ67 فقط. الا انه وبالتوازي مع الحماسة واللهفة تنشط اصوات معارضة تعتمد في خطابها على بيان صادر عن الحركة الشعبية الأردنية لمقاطعة الكيان الصهيوني لمقاطعة الحدث حيث تعتبره “تطبيعًا” مع الكيان الصهيوني!

والسؤال الذي يجب طرحه: لماذا ترتفع الآن بالذات دعوات مقاطعة اوتوستراد؟ مع العلم انهم قاموا بزيارة فلسطين المحتلة عام 67 مرارًا وتكرارًا، وقاموا بتقديم العروض في كل من رام الله وبيت لحم؟

واذا كان السبب كما ورد في بيان حملة المقاطعة “إن الحصول على تأشيرة من سفارة العدو الصهيوني يعد اعترافاً بشرعية هذا الكيان الاستعماري، ومن هنا فإن هذا الفعل هو تطبيعٌ مباشر” فإنه عذرٌ اقبح من ذنب! فهو ياتي ليمنح شرعية لبعض تأشيرات الدخول الاسرائيلية على أخرى، اي أن الحملة دخلت في دوّامة تصنيف للتأشيرات ولم يعد التركيز على صاحب السلطة ومنفذها. فنحن نعلم جيدًا ان دخول اي انسان من بقاع الارض الى فلسطين عبر “معبر الكرامة – اللنبي” بما يشمل المواطن الأردني او الأردني الفلسطيني لا يتم دون موافقة اسرائيلية أولاً واخيرًا – وهنا يجب التشديد على ان السلطة الفلسطينية لا تملك اية صلاحية على المعبر بشأن الدخول والخروج من والى مناطقها. فالجندي الاسرائيلي على “معبر الكرامة –  اللنبي” يملك ختمين لنوعين من تأشيرات السفر، الختم الاول تأشيرة دخول الى “مناطق السلطة الفلسطينيّة” والختم الثاني تأشيرة دخول “الى اسرائيل”. في كلا الحالتين، الجندي واحد، وصاحب القرار المخوّل باعطاء حق العبور واحد، والصلاحية هي فقط للدولة المحتلة والختم الموجود على الطاولة ما هو الا ختم تأشيرة ذو نصّين كلاهما دخول لفلسطين التاريخية، ختم مناطق 67 (لا يشمل الا مناطق السلطة الفلسطينيّة) وختم المناطق المحتلة عام 48.

والسؤال هنا: بماذا تختلف تأشيرة دخول “اوتوستراد” التي حصلوا عليها سابقًا لدخول رام الله لإحياء عروضهم (آخرها كان في 17 ايلول الماضي) عن تلك التي سوف يحصلون عليها لدخول مدينة الناصرة العربية، اكبر مدينة فلسطينية في فلسطين المحتلة عام 48 وذلك يوم ان الجمعة 7 كانون الأول؟ واذا كان الكيان الصهيوني هو نفسه الجاثم على كامل التراب الفلسطيني، فكيف لم نسمع اصوات المقاطعة عندما اتوا لاحياء العرض في رام الله وبيت لحم!؟

اعلم انه من السهل مهاجمة ومقاطعة حدث فني في مدينة الناصرة، كون الناصرة الحلقة الاضعف في معادلة المقاطعة بحكم وجودها في حدود دولة اسرائيل، ولكن ما يصعب تقبله هو التجزئه في المواقف. واذا كان النقاش اليوم يأخذ ايضا ذريعة اتاحة الفرصة لاعادة النظر في تواصل الفلسطينيين في كافة ارجاء فلسطين التاريخية مع العالم العربي ضمن معايير المقاطعة الثقافية، فليكن.. اوافق على ذلك بشرط ان يتم تطبيق حملات المقاطعة على مهرجان فلسطين السنوي في رام الله (وغيره من مهرجانات)  وليس فقط على الناصرة والمدن الفلسطينية في ال 48! فهل سيتم مقاطعة عرض فرقة “وسط البلد” المصرية في حال اتوا مرةً أخرى الى رام الله، أو “اوتوستراد” الاردنية مثلاً!؟ او محمد فؤاد المصري ؟ مكادي نحّاس الاردنية ؟ هل يحق لرام الله ما لا يحق للناصرة؟

تأتي هذه التساؤلات على اعتبار أننا، فلسطينيي ال 48، جزء لا يتجزأ من الشعب العربي، وأن وجودنا على أرضنا المحتلة وتمسكنا بالهوية العربية هو بحد ذاته فعل مقاومة، لذلك أجد من الصعب فهم البند الاول الوارد في بيان حملة المقاطعة الاردنية، وهو كالتالي: “نؤكد على إيماننا الراسخ بأهمية التواصل مع أشقائنا وشقيقاتنا الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948، وخلق مساحات للتفاعل معهم على كافة الأصعدة، على اعتبار أنهم جزء لا يتجزأ من الشعب العربي، وأن وجودهم على أرضنا المحتلة وتمسكهم الهوية العربية هو بحد ذاته فعل مقاومة”.

شكرًا جزيلاً، ولكن كيف تتم ترجمة ذلك؟ اعني اهمية التواصل مع اشقائنا وشقيقاتنا في  ال48! خلق مساحات للتفاعل معهم! كافة الاصعدة! نعم ان الاقلية الفلسطينية الصامدة في داخل حدود اسرائيل، هي الشاهد الباقي على ماضي وحاضر ومستقبل شعب كامل ما زال مستهدفًا؛ هي جزء لا يتجزأ من الشعب العربي، وهذا بحد ذاته يحتم حق التواصل مع العالم العربي وعلى كافة الاصعدة خصوصًا الثقافية منها، وبذلك لا أرى في عرض اوتوستراد الا تطبيقًا للمبدأ المعلن ولا يناقضه اطلاقًا.

بالطبع اتفهم المخاوف الموجودة لدى البعض في ان يكون هذا العرض بداية لعروض اوسع في اسرائيل تشمل مناطق يهودية مستقبلاً، ولكن من اجل تفادي هذه التخوفات علينا ان نكون واضحين حول معايير المقاطعة وتفادي التناقضات المتكررة. والمعايير يجب ان تنصب حول رفض التطبيع مع المحتل وليس الضحية.

 نحن نقاطع كل من يتعاون مع الاحتلال، فنيًا، موسيقيًا، سياسيًا واقتصاديًا… كل من يمثل دولة اسرائيل ويعزز مكانتها وسياستها ويجمل صورتها ويقوي اقتصادها، سواء كان عربيًا او اجنبيًا او اسرائيليًا، سواء كان الحدث في اسرائيل او خارجها والمحافل الدولية المتعددة. من هنا انطلقت وبقوة حملات مقاطعة عدة في الداخل ابرزها كانت حملة مقاطعة عرض الفنانة الفلسطينية ميرا عوض في الناصرة. لأن الفنانة ميرا لا تتوانى عن تمثيل دولة اسرائيل في المحافل الدولية، وقسم من هذه العروض ياتي بالتنسيق مع وزارة الخارجية الاسرائيلية. الناصرة كانت من قادة الحملة!

 الناصرة ليست تل ابيب… الناصرة شقيقة القدس ورام الله وبيت لحم وغزة، شبانها وصباياها يستحقون الاعتراف بوجودهم حتى لو كان ذلك بعرض موسيقي لمدة ساعة ونصف او اكثر من قبل فرقة اسماها البعض “صيّع” ولكننا نحبهم ونحترمهم ونريدهم بيننا! حتى لو تم العرض في قاعة غير معدة لمثل هكذا حدث، فالعرض سوف يتم في قاعة افراح ابو ماهر “الجاليري”. ولا أود الخوض الآن في تبرير لماذا لا تملك الناصرة ما تملكه تل ابيب من امكانيات مثل جارتها “نتسيرت عيليت” فالسبب واضح… ولكننا مكتفون وراضون في هذه اللحظة، وبانتظار اوتوستراد…

Posted in Uncategorized | 2 تعليقات